الكتابة اليوم، لا تتوقف عند الحال السياسية المزرية، ولا عند أخبار الفساد المعلن والموصوف من قبل الفاسدين والممعنين في سرقة الدولة وتدمير مؤسساتها.

الكتابة يجب أن تضيء أيضاً على مستويات أخرى لا تقلّ أهمية عن السياسة والإقتصاد والأمن، يجب أن تشير إلى موضوعات الأرض والنازحين والهجرة من الريف الى المدن والبطالة ووحشية العمران الآخذ في الأتساع على حساب مساحات الزراعة والصناعة والسياحة.

أ- الأرض

المساحة الضيقة للبنان تقضي أولا الحفاظ عليها لتبقى أحد أهم الموروثات للأجيال المقبلة، ولذلك يجب النظر الى الديمغرافيا بعين جدية وموضوعية. ان انفلات الديمغرافيا وبقاءها خارج إهتمامات الدولة يشكّل أزمة وجودية لكل اللبنانيين بمختلف طوائفهم وتوجهاتهم.

الديمغرافيا المتفلتة من كل قيد تحمل في طيّاتها أزمات معقّدة أهمها البطالة والفقر والمواجهات الطبقية، اذ كيف تستطيع هذه الأعداد الجديدة من الولادات أن تجد لها مأوى ومساحة خضراء تستطيع العيش فيها بسلام؟

وإذا أضفنا الى ذلك أعداد النازحين والمجنّسين فإنّ الأزمة تصبح ليس فقط وجودية بل قاتلة، فهؤلاء جميعاً بحاجة الى الهواء والغذاء والعمل والتنقّل والمسكن، فكيف تستطيع مساحة محدودة أن تفي بكل هذه المتطلّبات؟ ستكون النتيجة حتمية، المواجهات والغلاء الفاحش في سعر الأرض، وتدنّي الإنتاجية الزراعية وعدم إيجاد أمكنة للصناعة وانعدام مساحات الغابات وما يستتبع ذلك من تصحّر.

ب- الأرض والهجرة

إنّ احد أبرز أسباب الهجرة اللبنانية هو ضيق المساحة الجغرافية وانعدام فرص العمل بسبب مزاحمة اليد العاملة الأجنبية، وأيضاً لعدم تمكن الدولة ومعها الجامعات من وضع خطة تعليمية تأخذ بعين الإعتبار حاجات السوق المحلية والإقليمية، إضافة الى نقص في التوجيه يطال المستويات كلها السياسية والدينية والإجتماعية والتي توقفت جميعها عند خطاب خال من كل تطلّعات مستقبلية أو ارساء قواعد سلوك جديدة تواجه العقلية البورجوازية التي ترى في الأعمال الحرفية والزراعية عملا ًمهيناً لأبنائها.

إنّ انعدام الرؤية السياسية وبقاء الدين عند حدود المحرّمات، وتراجع الطبقة المثقفة، بل غيابها عن التخطيط والتأثير وكذلك التنافس بين الجامعات لجذب أعداد أكبر من الطلاب دون تقديم منصّة تضعهم أمام خيارات عملية منتجة، وأيضا توقفها عن الأبحاث، يضاف الى ذلك تسييس جيل بالكامل ووضعه في مواجهة دائمة، يعزز من انفراط عقد المواطنة ويحدّ من روح النقد ويترك الساحة الوطنية فريسة الفاسدين وتجار السياسة والدين.

ج- انعدام الروح الوطنيّة والإنسانية

إنّ انعدام الروح الوطنيّة، وتحوّل الأجيال الى مواجهات مذهبية وطائفية أدّى الى انسداد الأفاق السياسية والتواصل البنّاء بين هذه الأجيال وجعلها تقبع في عرينها متمسكة بكل موروثاتها، مستعدة للمواجهة حتى ولو كان الأمر ضد قناعاتها ومصالحها ومستقبلها.

في هذا الواقع المرير والمخزي، أصبحت الأنظار مشدودة الى الخارج وأصبح هاجس الشباب التفتيش عن مكان في أرض الله الواسعة.

إنّ الغباء السياسي يضاف إليه الفحش في الربح، أدّى الى ارتفاع جنوني في سعر الأرض وبالتالي في سعر المسكن فكيف يستطيع شاب أو شابة شراء منزل بمئات الآلاف من الدولارات وقد كان سعره لعشر من السنوات خلت أربعين أو خمسين ألف دولار؟

هذه المضاربات العقارية أدّت إلى تصدّع البنى الإجتماعية والأخلاقية بسبب عدم الإستقرار العائلي، فانخفضت الزواجات الى حد خطير واستتبع ذلك انخفاض في الولادات خاصة على الساحة المسيحية، وهذا يؤدي لاحقا الى فراغ أمني خطير، خاصة مع ارتفاع ملحوظ في أعداد المهاجرين الشباب الذين يتركون وراءهم فراغا مميتاً.

د- هل من خيارات أخرى؟

هل بقي لنا خيارات أخرى تساعد على الخروج من الأزمة الخانقة، وهل بالإمكان اعادة النظر في العلاقة بالأرض والزراعة والريف. بالطبع هناك امكانيات شرط أن يستتبع ذلك تحوّل في العقلية والقناعات والأولويات، وهذا يستدعي المزيد من الضغط باتجاه اصلاحات واتخاذ قرارات جريئة أهمّها:

-وقف الهجرة من الريف عبر ربطه بطرق حديثة وتأمين وسائل النقل العصرية، إعادة الاعتبار للزراعة والحرف اليدوية وتشجيعها عبر إنشاء تعاونيات قادرة على تصريف الإنتاج، وقف استيراد المواد الغذائية المنافسة للإنتاج المحلي، إعادة تصنيف المناطق وحماية المساحات الصالحة للزراعة، تشجيع المستثمرين على إقامة مصانع في الريف وحصر العمل فيها باليد العاملة اللبنانية.

-إقامة أسواق تبادلية بين المناطق الريفية لتحسين ظروف التواصل وتصريف الإنتاج وترسيخ الروابط الإنسانية والإجتماعية.

إنّ الواقع الذي يمرّ به لبنان، يستدعي مبادرات خلّاقة وفورية لوقف الفراغ والإنهيار ولإحداث صدمة إيجابية على الساحة المسيحية خصوصا. إن الإنهيار المتسارع والتراجع الكبير للحضور الفكري والعملي يترك الساحة فارغة ويزيد من حجم الغربة عن الواقع المعاش.

يتراكم المسيحيون في بيروت تاركين وراءهم ريفا حزينا وأرضا “بوراً”، ويتحوّل اهتمامهم الى إيجاد وظيفة غافلين أنّ هناك إمكانات أخرى للحياة لا تقل أهمّية عن الوظيفة الموعودة والمطلوبة بإلحاح. إنّ إيجاد مشاريع شخصية برأس مال صغير يعطي للفرد الهمّة والنشاط والسعي الى مزيد من النجاح واكتشاف طاقاته، ويشكل اختبارا لمقدرة الإنسان على مواجهة الواقع الصعب والحلقة المفرغة التي نقع فيها جميعا. إنّ عمليات التبادل التجاري والتخصص في سلعة معينة هو أمر جيّد وله مردود، كذلك الحرف والمهن الحرّة وهي واسعة المجال وتشكل حاجة ضرورية، وإلا لماذا نرى هذه الأعداد الوفيرة من الغرباء يأتون أرضنا لسد هذه الفراغات؟

ألا يحق لنا نحن العمل فيها وتحسين شروطها لتصبح أعمالا ذات مردود مادي؟ هذه الأعمال ليست من الهوامش، أنها في صلب واقعنا الاجتماعي، وهي ليست كما يظنّ البعض موسمية، أنها دائمة ومستمرة غير أنّ الأمر الذي يمنعنا من القيام بها يعود إلى عقليتنا التي ترى فيها أعمالا لا تليق بنا وبمقامنا وبإسم بيوتنا.

إنها العقلية المتعجرفة التي لا تريد الاّ أن نكون أطبّاء ومهندسين ونرفض ما عداها من مهن وأعمال ووظائف وهذا يخالف عقلية الأباء والأجداد الذين عمّروا الجبل والساحل واستثمروا كل “كمشة” تراب فنالوا إكليل الجهاد وحصلوا على رزقهم من عرق جبينهم، فهل يجوز لنا احتقار أعمالهم ومهنهم التي زاولوها؟

الخوري اسكندر الهاشم