هاجر بعمر١٤سنة وعاد بعد ٢٢ سنة 

من بلدة تعج بالأصحاب والأقارب ورفاق الطفولة والحقول والبساتين، وعشاق الصيد و”الكزدورة”، الى عالم جديد في لغته وشعبه ونظامه. 

ابن بلدة سبعل الشمالية هنري الحاج، هاجر فتيا مع أهله ومن دون ارادته، وعاد رجلا مع عائلته وبملء ارادته. من المطار الى قريته سبعل وكأن سنوات الهجرة لم تمر.

سنة ١٩٧٤ وقبل اندلاع الحرب اللبنانية ببضعة أشهر، عاد فريد الحاج الى لبنان بعد غياب سنتين، ليصطحب عائلته معه للعيش في افريقيا.

 

“سافر والدي الى جنوب افريقيا سنة ١٩٧٢ نزولا لطلب خالي بهدف انشاء معمل لتصنيع عرق السبعلي المعروف بجودة تصنيعه في لبنان، وكان ابي متميزا بصنعه العرق البلدي. عاد بعد سنتين وبيده اوراق الهجرة. تفاجأت لعلمي آنذاك بان والدي سافر لمدة معينة، أما وموضوع الانتقال للعيش في بلد آخر فلم يكن بالحسبان”.

 

التقيناه خلال مشاركته في موتمر الطاقة الاغترابية الذي جرى في مدينة جوهنسبورغ الافريقية في شهر شباط الماضي، رجل الاعمال هنري الحاج يثني على العمل التي قامت وتقوم به وزارة الخارجية في لم الشمل لبنان المغترب.

 

“مشاركتي في مؤتمر الطاقة الاغترابية الذي جرى في لبنان في ايار ٢٠١٦ علمتني اهمية الانتماء للوطن، وفتحت عينيّ على أمور كثيرة، منها انني تعرفت على لبنانيين لديهم شركات في افريقيا وتفاجأت في حجم عملهم ودورهم في هذه القارة. كما انني تعرفت على لبنانيين مقيمين، ولم أكن اعلم ان هناك في لبنان شركات لبنانية لديها التقنيات المتطوّرة التي تسمح لها بان تكون رائدة في شتى المجالات، وكنت أعتقد أننا هنا الاحسن والأفضل في إنتاجنا وعملنا”.

 

السنوات الاولى من هجرته الى القارة الافريقية كانت صعبة وقاسية، وتمنى لو ان عقارب الأيام تعود ادراجها الى بيوت سبعل وأدراجها وطرقاتها.

 

“اهدتني عمتي عندما زارتنا في لبنان آتية من اميركا “راديو ترانزيستور”. أخذته معي الى افريقيا لاعتقادي انني عندما اشغل الجهاز، احصل على موجات الاذاعات التي كانت معدودة في ذلك الوقت، واستمع الى منوعات الأغاني التي تحاكي مشاعري وتروي اشتياقي الى لغتي الام”.

 

هذا الاشتياق بدأ يخف تدريجيا مع ذهاب هنري الى المدرسة، وكسر حاجز اللغة بينه وبين المجتمع.

وكان كل يوم بعد عودته من المدرسة يزف الخبر السار لامه “اليوم صرت اعرف ٢٠ كلمة. وفي اليوم التالي ٣٠ كلمة”  وكرّت سبحة الكلمات، وبدأت خطوة الألف ميل مع رجل الاعمال السبعلي الذي  وبحسب قوله “سبّب وجعة الرأس لاهله في تربيته”.

 

بعد تخصّصه في الهندسة الالكترونية، ولأنه كان يهوى السيارات، عمل في عدة شركات منها BMW وتدرج فيها حتى وصل الى مراكز مهمة. لكن طموحه دفعه الى الاستقلالية في العمل وفتح محلّ اختصاصي الكترونيك سيارات. كان فرحا بما يقوم به “والدني ما كانت سايعتني”.

ولأن طموحه لا يحده مكان ولا زمان، انتقل الى العمل في المقاولات، بعد ان باع محلّه وجنى منه ارباحا، خوّلته بان يشارك أخاه في شركته.

“حققت بعد ثلاث سنوات على مشاركتي اخي في الشركة، تقدما في العمل، وكذلك ارباحا كبيرة. لكن هذا الوضع تغير بعد خروج الرئيس نيلسن مانديلا من السجن سنة ١٩٩٤وتغيير الحكم بعد ان كان التمييز العنصري موجودا قبل سنة١٩٧٤. هذا الحكم الجديد فرض على كل شركة ان تدخل معها عنصرا أسود كشريك في كل مناقصة تدخل فيها. أدّى هذا الوضع الى ايصالنا لمرحلة الاستسلام، فقدنا كل شيء وعدنا الى نقطة الصفر…”.

ويكمل:”لكي نعيد مكانتنا في السوق علينا ان نطبق القانون الجديد ونشارك المواطن الأسود. لم يقتنع اخي  بالفكرة. انفصلت عنه وأسست بعدها شركة مقاولات Solidaire”.

هنري الحاج هو اليوم صاحب اكبر شركة مقاولات في جنوب افريقيا، فروعها تغطي خمسة أقضية، على ان يتم فتح أربعة فروع أخرى في الأقضية الأربعة الباقية.

 

نجاحه في عمله تشاركه مع شباب لبنانيين سافروا الى افريقيا بحثا عن عمل، منهم ما زالوا في وظيفتهم والبعض الأخر لم يتحمل بسبب صعوبة العمل.

“كنت أتلقى اتصالات من كهنة الكنيسة اللبنانية لتوظيف لبنانيين أتوا من لبنان بحثا عن عمل”، يرى الحاج بان الشاب اللبناني في ضياع، وان طلب منه ان يبقى في وطنه، لاعتقد انك تهزأ منه.

“انا احضن اللبنانيين واوظفهم، ولكن ماذا عليّ ان أقوم به كي أوقفهم عن المجيء؟”

برأيه ان اللبناني المغترب الناجح هو من عليه ان يعود الى بلده ويؤسس فيه. وهذا ما يقوم به من خلال انشاء مشروع وحدات سكنية في سبعل، وبيعها للمغتربين من بلدته، بقصد حثهم على العودة الى جذورهم ووطنهم.

لاحظ هنري الحاج أن اهل سبعل الذين تركوا بلادهم، لم يربوا أولادهم على حب الوطن. وهذه التربية وحدها الكفيلة بجعل المغترب يفكر بالعودة إلى وطنه الأم وتأمين الدعم الإقتصادي والسياحي والمادي له. أما أنا، وعند اول زيارة لي لبلدتي سبعل  بعد ٢٢عاما. لم أتحمل ان ارى منزل والديّ حيث ولدت وترعرعت مهملا، رممته واعدت له جماله ورونقه، واسكن فيه في كل زيارة أقوم بها الى لبنان”.

يتذكر اول زيارة له الى لبنان بعد ٢٢ سنة  والتي ارادها مميزة . لم يعرف احدا من الاقارب بزيارته، استأجر سيارة من المطار وتوجه برفقة زوجته ليليان الى بلدته سبعل.

“أردت ان أقود السيارة بالرغم من انني للمرة الاولى التي أقود في لبنان. بالرغم من ان طريقة القيادة تختلف عن افريقيا كذلك وضعية المقود الموجود على اليمين وليس الشمال. كل ما أتذكره هو أنه عليّ ان اتوجه شمالا. وصلت الى الأشرفية من دون أن أعرف كيف!  وهناك سألت احدهم عن كيفية الوصول الى الدورة. ومن الدورة توجهت شمالا، تمثال سيدة لبنان كان علامة لوصولي الى جونيه. لم يمرّ وقت حتى وجدت نفسي على مشارف بلدتي التي تركتها رغما عني، وعدت اليها بملء ارادتي ……. هي هي لم تتغير بالرغم من مرور الزمن. شعرت انني غبت  يوما واحدا عن الحبيبة سبعل.

” يا ضيعتي تركتك زغيـر زغيـر

ما شفـت حالـي غيـر بالمهجــر ..

وبعدنــي لليــوم بتذكّـــر

لمّـن وقَـع هـاك الدلـو بالبيــر

وبـالسنديانـه كمّـش عصافيـر

ومن هالحفافـي حوّش الزعتـر

ونلتـفّ حول الموقده ونسـهـر ..

وبـو حبيـب يعـدّ عـن عنتــر

وعن ديـاب، وعكرمه، والزيــر

نحيي الليالي .. ومن فرحنا نطيـر ! ”

 

أسعد السبعلي ، منجيرة الراعي .. والصورة من سبعل القديمة …

هذا ما نشره رجل الاعمال هنري فريد الحاج على صفحته الخاصة

وهذا ما يوقظ الحنين الى البلد…

م. م