يمثل الفن في أي بلد من البلدان أرقى عناوين حضارته في عيون الأمم الأخرى، وأحد أنبل أدوات التواصل التي يمكن أن تسعى إليها الشعوب المتحضرة، فعلى امتداد الحضارات، اختار الإنسان لتأمين معيشته، أعمال الفكر وتطويع اليد لتأمين حاجاته الأولية. فسعى للصيد أولا، وللزراعة ثانيا، وللصناعة ثالثا، فعرف الصناعات والحرف” ثم سعى للتجارة بهدف تبادل السلع والمنافع، بعد ان توسعت المجتمعات واستقرت في الحواضر والمدن.
أثَّر اختراع الآلة على القطاع الحرفي، فراوح بين جمود وتقهقر، إلى ان تنبهت الحكومات وفئات المجتمع المدني إلى أهمية الحرفة كهوية وتراث. فوُضعت الخطط الإنمائية والاستراتيجية للمحافظة على الحرفيين المبدعين ولتطوير الصناعات والحرف التراثيّة والتقليديّة…

في لبنان، وبعد الاستقلال، بدأت حركة متواضعة للتصنيع، كما أغرقت الأسواق بالسلع المستوردة المصنعة آليا، على غرار معظم البلدان في العالم وانعكس الأمر سلبا على القطاع الحرفي، فانتشرت البطالة وانتقل القرويون إلى المدن طمعا في تحصيل الرزق، سواء في العمل في المعامل أو في وظائف أخرى. مما حدا بالهيئات المدنية للتحرك بهدف المحافظة على القطاع الحرفي، فأنشئت الجمعيات لإعادة إحيائه، وقامت مطالبات للدولة بدعم الحرف وحمايتها. لكن الحرب التي عانى بها لبنان، أثرت سلبا على مجمل النشاط الاقتصادي ومنها الحرفي.
ومع انحسار الحرب وعودة انطلاق العجلة الاقتصادية، عاد القطاع الحرفي كسائر القطاعات للانتعاش، ويحاول لبنان اليوم تعويض التأخرالذي طال القطاع الحرفي بسبب الازمات التي توالت عليه، ومواكبة البلدان المحيطة في ما يختص بتطوير القطاع الحرفي. وتمّ انشاء نقابة الحرفيين الفنيين اللبنانيين بعد ان كان هناك تعدد في المرجعيات الوزارية المهتمة بهذا الموضوع ابتدءاً من وزارة الصناعة الى وزارة التجارة الى وزارة الشؤون الاجتماعية الى وزارة السياحة. كما ان وزارة الشؤون الاجتماعية افردت ادارة خاصة للقطاع الحرفي، بهدف تشجيع الجمعيات الاهلية ومساعدتها في تطويره وازدهاره وخلق فرص عمل جديدة ورفع الدخل العائلي. كما تمّ دعم هذا القطاع تربويا، فأنشئت المدارس والمعاهد لإستمرارية عملية التدريب والتعليم، واستفاد العاملون فيه من التقنيات الجديدة وطوعوها لخدمة عملهم اليدوي وتطويره، فعرف استمرارية تنوعت موضوعاتها واختلفت آليتها، مما ساعد على المحافظة على أصالة هذا التراث الإنساني وصموده.

ومن بوادر الاهتمام بالقطاع الحرفي في لبنان، افتتاح مركز تدريب للحرفيين في كانون الأول 2016، في مبنى نقابة الحرفيين الفنيين – بدارو، وإقامة المعارض وبيوت للحرف في أكثر من بلدة لبنانية، على أمل أن تتوسع هذه الخطوات لتصبح أفعل وأقوى في دعم هذا القطاع والعاملين فيه. ففي لبنان حرف عديدة ما زالت موجودة، يعيش من خيرها العديد من الحرفيين، وذلك رغم الصعوبات. وفي المقابل، حرف مهددة بالإندثار، لأن العاملين فيها لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين.

أشهر الحرف


تشتهر مناطق لبنان المختلفة بمساهمتها الفريدة في الحرف والفنون التراثية، ففي العاصمة بيروت تستطيع أن تجد منتجات حرفية تقليدية من كلّ أرجاء لبنان، فهناك متاجر الحرف التراثية أو (الأرتيزانا الخاصة) ومتاجر وزارة السياحة، حيث تباع الحرف المختلفة.
ويكتسب الصابون المصنوع من زيتِ الزيتون، صابون لبنان التقليدي شعبية عالمية بفضل نقاوته وميزاته الترطيبية الطبيعية، إذ كان يصنع تقليدياً من زيت الزيتون الخاص الذي تنتجه العائلات اللبنانية من أشجار الزيتون التي تملكها.

-الأملاح البحريّة: يُعدّ استخراج الملح من البحر الأبيض المتوسط من التقاليد القديمة في مختلف المدن اللبنانية الساحلية، وينتج أهمّ وأجود نوع من الملح ( فلور دو سيل) فيها وهو موسمي ونادر بكميّة محدودة، ويستخدم كالعادة في الطبخ وبعض الاحيان يستخدم في انتاج الادوية الطبية.

– الفخّار والخزف: يتعذر تحديد تاريخ ظهور صناعة الخزف بدقّة، فهو يعود إلى أوّل ما عرف الانسان الخزف أي منذ اكتشافه خصائص الطين وادراكه أنّ بامكانه قولبته بيده وجعله صلباً على النار.

تشتهر قرية بيت شباب الواقعة على بعد 20 كلم من بيروت باستمرار حرفةٍ عرفت ازدهاراً طويلاً فيما مضى إذ لا تزال عائلة من الحرفيين هي عائلة الفاخوري تصنع جراراً بارتفاع متر كان يستخدم قديماً لحفظ الزيت والزيتون والخلّ والعرق، وفي جنوب لبنان وعلى مسافة 70 كلم من صيدا تقع بلدة راشيا الفخّار التي نجد فيها أباريق من الفخّار تحمل رسوماً هندسية درج اقتناؤها في المنازل لتبريد المياه. للشوف أيضاً خزفياته في خلدة والناعمة وجسر القاضي وبشتفين، حيث يصنع الحرفيون أواني المائدة كأطباق المازة، أباريق الشاي والقهوة، ويعتمدون أشكالاً هندسية وألواناً مختلفة. راشيا الفخار (جنوب لبنان) اكتسبت إسمها من شهرتها في صناعة الخزف على أنواعه، ففيها أباريق فخارية تتّخذ أشكالاً هندسية مختلفة وتشرب فيها المياه الباردة في مختلف فصول السنة.
– الأجراس: وتشتهر بيت شباب أيضا بصناعة الأجراس، بالإضافة إلى بلدة مجاورة لها هي مزرعة يشوع. وآل نفّاع هم مصنّعو الأجراس في بيت شباب، وقد طوّروا صناعتهم لتواكب العصر، فأجراس آل نفّاع تقليدية الصنع، ولكنّها تعمل على الكهرباء أيضا، وهو أمر تطلبه اليوم غالبية الزبائن. ويؤكّد آل نفّاع بلسان أحد حرفيّيهم، أنّ الحرفة قادرة بشكل عام على تأمين عيش كريم للحرفي، وبخاصة إذا ما اهتمّت الدولة بهذا القطاع ودعمته، وإذا ما تابع الحرفي عمله وسعى إلى تطويره.
– لوازم المائدة: إنّ الاواني النحاسية (الصواني) المطروقة من الأساسيات في لبنان، إذ تراها في كلّ الأماكن بدءاً من الأسواق القديمة ومروراً بالمقاهي العصرية ووصولاً إلى أرقى المجالس في أفضل المنازل، وترمز هذه (الصواني) إلى جانب من الثقافة اللبنانية، تقدم عليها القهوة أو الشاي أو الحلويات.
ويقوم النحّاس بطرق صوانٍ نحاسية حمراء او صفراء بأحجام وأشكال مختلفة وزخرفة أطرافها برسوم عربية، وتشتهر لوازم المائدة من النحاس الأحمر والفضة التي تصنع في قرية (القلمون) بطرازها الشرقي وزينتها التي تطرق يدوياً.
أمّا أهمّ لوازم المائدة كالسكاكين فتصنع في جزين. وتطعّم السكاكين الجزينية نسبة إلى قرية جزين المميزة بقبضاتها المصنوعة من العظم بقطع من الذهب اوالفضة، وغيرها من المعادن الثمينة، تأخذ أحياناً القبضات شكل طاووس أو طائر وتطلى بألوان زاهية، وتحظى هذه السكاكين بسمعة طيبة، حيث أنّها تقدم كهدايا وهو تقليد بدأ في القرن الثامن عشر.

– السلال المقششة: ارتبطت حرفة صناعة السلال بالحياة اللبنانية الريفية، وقد تحوّلت رفيقة الفلاح اللبناني في المواسم.

تقوم هذه الحرفة على قشّ منقوع بالمياه حتى يلوي فلا يتقصّف، وعلى مهارة يدوية بِجدْل أوراق النخيل، وعقده تسع أوراق جدائل يكبرها الحرفي قدر ما يشاء، ثم يحوّلها إلى دائرة ويخيطها بتؤدة من القاعدة حتى الجوانب حتى تتّخذ الشكل المطلوب: سلّة أم قبّعة أم حقيبة للبحر.
تنتشر هذه الحرفة في ثلاث مناطق لبنانية: عمشيت، كواشرا، زغرتا. وتنتشر صناعة القصب أيضاً في زغرتا، الحلوة، كفريا، وصيدا، ومنه تُصنع سلال نقل الفواكه والخضَر.

-نفخ الزجاج: الزجاج أقدم مادة صناعية تاريخياً. اكتشفه المصريون فنفخوا فيه وحوّلوه إلى كتل دائرية صنعها الحرفيون في ما بعد أشكالاً جميلة. تنتشر هذه الصناعة في منطقتين لبنانيتين: البدّاوي (قرب طرابلس) والصرفند على 14 كلم من صيدا. من الألوان في منطقة البداوي قوس القزح ومن الأشكال كؤوس، مناضد للشموع، وسواها. التقنية المستعملة في نفخ الزجاج تعود إلى عصور سحيقة، وخلال العمل، يجلس الحرفي على كرسي منخفض من القشّ عاقداً على جبينه رقعة قماش لامتصاص العرق الذي تسببه النار المشتعلة والخارج لهبها من فوهة الفرن، ويُمسك قطعة حديدية طويلة ذات مسكة خشبية يُدخلها إلى الفرن ويجلب الزجاج الذي يكون في شكل دائري ثم ينفخ فيه مرات عدة، فينتفخ الزجاج ويتمدّد. بعد النفخ يصنع العنق ويضع المسكات بطريقة هندسية تختلف من قطعة إلى أخرى.

صناعة الجلود: تحتاج هذه الحرفة إلى شاكوش ومقصّ وسندان. ينحني الحرفيون ساعات طويلة ليحوّلوا المساحات الناعمة إلى لون ذهبي أو فضي وإلى أغراض متنوعة. هكذا نرى ثريا تضاء على الزيت مستوحاة من العصر الأموي، فيندمج الجلد بالزجاج المنفوخ، ونرى المباخروالصواني والقناديل الجلدية والثريات الشرقية القديمة التي تنمّ عن قدرة الفنان ومهارته. ثمة تقنيات عدة لصناعة الجلد المقصوص أو الممدّد. ومهما كانت التقنية، يُنجز الحرفي مراحل عدة مثل تحديد شكل القطعة عبر تحميته للجلد وطيه وصقله، ثم يحدّد الرسم الذي يريده.

-الحياكة: الحياكة فصل هامّ من تاريخ لبنان الحديث، شغلت عائلات ومناطق بأكملها. في زوق مكايل حيكت الأعلام اللبنانية الثلاثة الأولى. فالحائكون في سوق الزوق العتيق في حركة لا تهدأ، يحيكون حقائب صغيرة، وعباءات وسترات حريرية. في كوسبا (شمال لبنان) كما في شحيم (الشوف)، تتم حياكة الخيام والسجاد من شعر الماعز. بعد الحياكة تُبَلّل القطعة بالمياه فتضيق ولا تتسرب إليها المياه. هذه الخيام المرتبطة عادةً بحياة الرحالة، تساعد على اتقاء عواصف الشتاء وقيظ الصيف. يتم شراء شعر الماعز من بعلبك، فيغسل وترتبه نساء القرية ثم ينكبّ الرجال على حياكته.

-التطريز: الأنامل السحرية وراء حرفة التطريز، غالباً في قرى نائية تُرسلها إلى المحالّ المختصّة في العاصمة. في الشمال ينتشر التطريز في طرابلس وزغرتا والبترون، وفي جبل لبنان نجده في الزوق وجونيه، وفي الشوف في دير القمر وبعقلين، في البقاع في زحلة بعلبك وجب جنين، وفي الجنوب في صيدا وصور، وكذلك في بيروت. ولكل من هذه المناطق خصوصيتها في التطريز. في بعلبك تنتشر تقنية “الطرق”(تطريز المناديل وأثواب الموسلين بخيط فضي). وتختص نساء بعلبك بتقنية “العيا”: شريط محبوك من زهور ملونة تزين أطراف الأثواب والعباءات.

أسباب عدم التطوّر

ان واقع القطاع الحرفي في لبنان ودوره في الدخل القومي لا يزال متواضعا، رغم ان احصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية تظهر تطورا بعد الحرب، لكنه لا يزال في حدوده الدنيا ولا يصل الى ارقام نراها في بعض البلدان العربية المحيطة. ففي بحث ورد في ندوة الدوحة عن”الابتكار والابداع في الحرف اليدوية” سنة 2010 نجد: المغرب 19%، تونس 3.8%، تركيا 10%، الجزائر 20%، السعودية 10%، ايران30%، لبنان 3%.

وفي دراسة لـ”الحرفيون في لبنان”، عام 2003 تبلغ قيمة التوظيف المالي للمؤسسات التجارية في قطاع الحرف 100 الف دولار في أعلى مستوياتها و15 الف دولار في أدناها. كما تبيّن الدراسة النقاط الآتية:
• العمل الحرفي بغالبيته عائلي، باستثناء توظيف بعض العمال الذين يتراوح عددهم بين 10 عمال و30 عامل كحد اقصى.
•  اعتماد الحرفيين على المواد الاولية المستوردة (كانت سابقا محلية) يرفع كلفة الانتاج ويؤثر على التسويق والمنافسة للسلع المستوردة.
•  المحترف متصل بالمنزل في اغلب الاحيان، ينفصل عنه اذا توسعت الاعمال، لكنه يبقى في محيط السكن.
•  التسويق غالبيته داخلي، حدوده المدينة او القرية المقيم فيها الحرفي. يتعدى هذه الحدود اذا استطاع الحرفي التعريف عن أعماله بشكل صحيح. أما التصدير فيقتصر على المواد الغذائية والحلويات والملبوسات.

وأبرزت الدراسة الشوائب التي تعيق تطور العمل الحِرفي في لبنان:
-ارتفاع الكلفة وبالتالي ارتفاع الأسعار.
-غياب الابتكار وعدم الاستعانة بالمصممين.
-اعتماد التقليد سواء للغير او للقديم من الحرف بحجة انتاج مواد تراثية.
-بقاء العمل الحرفي في النطاق الرعائي والفولكلوري.
-غياب الجودة وانعدام روح المنافسة.
-عدم مراعاة حاجات السوق واعتماد القواعد العلمية في التسويق.
–  ضآلة رأس المال الموظف وعدم انفتاح الحرفي على الدولة وعدم إهتمام الدولة به.
-عدم وجود اختصاص مناطقي ( كما كان الحال سابقا) مرتبط بالمواد الاولية المتوافرة.
-عدم وجود صالات عرض خاصة، وعدم تعميم فكرة “بيت المحترف” في المدن والقرى والمراكز السياحية في العواصم الكبرى.

أما المطلوب لتطوّر القطاع الحرفي، فيتمحور حول الإبتكار، بالإضافة إلى الدعم الرسمي، وهذا الإبتكار مطلوب من الحرفي نفسه، فالمحافظة على “الهوية والتراث” كما يقول “الحرفيون في لبنان”، لا تكون بتكرار انتاجهما على الصورة ذاتها، وانما التجديد فيهما، لخلق نماذج جديدة ووظائف متجددة للسلعة، تتماشى مع متطلبات العصر لذا من الضروري:
–  ادخال الوسائل الاعلانية الجديدة من اجل انتشار الحرفة.
-استعمال الانترنت لتوصيل المفاهيم الجديدة على الحرفة القديمة للتماشى مع العصر.
–  الاستفادة من الوسائل الحديثة لنشر تقنيات جديدة تساعد على استمرارية الحرف.
–  خلق نفس جديد نابع من الحاضر، معطر بالماضي، مبتكر لصور جديدة، تجمع بين مجالات فنية مختلفة.

وهذا الإبتكار الذي يقوم به عدد كبير من الحرفيين، هو الذي يحافظ على الحرف ويحميها حتى اليوم من الإندثار…

ل.م