كتبت الاعلامية باتريسيا سماحة
بين التمديد والمداورة: هل يُضرب جوهر قانون الجامعة اللبنانية؟
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والسياسية، أقرت لجنة التربية النيابية اقتراح تعديل على القانون رقم 66 (تاريخ 4/3/2009) المتعلق بتنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية، بما يسمح لرئيس الجامعة بالترشح لولاية ثانية. خطوة تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها في مضمونها تطرح أسئلة عميقة حول فلسفة هذا القانون وروحيته.
منذ إقراره، قام القانون 66 على مبدأ أساسي هو المداورة في المسؤوليات الأكاديمية، بهدف إتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من الأساتذة لتولي مواقع قيادية داخل الجامعة. لذلك حُدّدت ولاية رئيس الجامعة بخمس سنوات غير قابلة للتجديد، إلى جانب تحديد ولايات العمداء والمدراء، في إطار رؤية تهدف إلى ضخ دم جديد في الإدارة الجامعية ومنع احتكار السلطة الأكاديمية.
غير أن التعديل المقترح، الذي يجيز التجديد، يُعتبر من قبل معارضيه خرقًا واضحًا لجوهر هذا القانون، إذ يفتح الباب أمام تكريس المواقع بدل تداولها. فعبارة “قابلة للتجديد” لا تقف عند حد الولاية الثانية، بل تثير مخاوف من تمديد غير مباشر قد يُفرغ مبدأ تحديد المهل من مضمونه، ويحوّل المنصب إلى موقع شبه دائم.
ويطرح المدافعون عن التعديل حجة مفادها أن الولاية الواحدة لا تكفي لتنفيذ “مشروع” متكامل لرئيس الجامعة. إلا أن هذا الطرح يقابل بسؤال جوهري: أي مشروع نتحدث عنه؟ وهل تم أصلًا اعتماد مشروع واضح ومصادق عليه من قبل السلطة التنفيذية عند تعيين الرئيس الحالي؟ أم أن المسألة تتجاوز فكرة المشروع إلى إعادة إنتاج السلطة نفسها؟
إلى جانب ذلك، يبرز إشكال قانوني آخر يتصل بآلية التعيين. فالقانون ينص بوضوح على أن مجلس الجامعة هو الجهة المخولة اختيار ثلاثة أسماء تُرفع إلى مجلس الوزراء ليتم تعيين أحدها رئيسًا. لكن في ظل غياب مجلس الجامعة حاليًا، يتم عمليًا تجاوز هذا النص، حيث يجري اختيار الأسماء من قبل الوزير ورئيس الجامعة نفسه، ما يطرح علامات استفهام جدية حول تكافؤ الفرص وشفافية الترشيح.
فهل يمكن لمن يترشح أن يكون في موقع التأثير على اختيار المرشحين؟ وأين تكمن العدالة في هذه العملية؟ هذه التساؤلات تعكس مخاوف من وجود تضارب بنيوي في التطبيق القانوني، يهدد مبدأ المنافسة العادلة.
التعديل الذي أُقر في لجنة التربية – بمشاركة عدد من النواب – سيُحال إلى الهيئة العامة لمجلس النواب للتصويت عليه. إلا أن النقاش حوله تخطى الإطار التشريعي، ليصل إلى مسألة فلسفية تتعلق بطبيعة إدارة الجامعة اللبنانية: هل هي مؤسسة تقوم على التداول والانفتاح، أم تتجه نحو مركزية مفرطة قد تفضي إلى نوع من “البيروقراطية التوتاليتارية” التي تقوّض الإبداع والتجديد؟
في الخلاصة، لا يبدو هذا التعديل مجرد تعديل تقني، بل هو تحول محتمل في هوية الحوكمة الجامعية. وبين من يراه ضرورة لضمان الاستمرارية، ومن يعتبره مدخلًا لتكريس السلطة، تبقى الجامعة اللبنانية أمام مفترق طرق: إما الحفاظ على روح قانونها، أو الانزلاق نحو نموذج إداري مختلف، قد تكون كلفته عالية على المدى الطويل.
سنتابع هذا الملف بتفاصيله ليقيننا بأن قضايا الجامعة الملحة والضرورية هي أهم بكثير من طرح هكذا موضوع في هذه اللحظة المصيرية وبخضم كل هذه التحديات
انشر هذه المقالة
مقالات ذات الصلة
-
متى دور إصلاح الجامعة اللبنانية؟
14 نوفمبر، 2025
-
برنامج التحضير لامتحان الدخول – كلية ادارة الاعمال
19 يونيو، 2025
-
دعوة عامة للمشاركة في القداس السنوي
29 أبريل، 2025

